عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

55

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

قُوَّةً وآثاراً فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّه مِنْ واقٍ ( 21 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّه إِنَّه قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 22 ) * ( أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ ) * مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود . * ( كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) * قدرة وتمكنا ، وإنما جيء بالفصل وحقه أن يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه . وقرأ ابن عامر « أشد منكم » بالكاف . * ( وآثاراً فِي الأَرْضِ ) * مثل القلاع والمدائن الحصينة . وقيل المعنى وأكثر آثارا كقوله : متقلدا سيفا ورمحا . * ( فَأَخَذَهُمُ اللَّه بِذُنُوبِهِمْ وما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّه مِنْ واقٍ ) * يمنع العذاب عنهم . * ( ذلِكَ ) * الأخذ . * ( بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * بالمعجزات أو الأحكام الواضحة . * ( فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّه إِنَّه قَوِيٌّ ) * متمكن مما يريده غاية التمكن . * ( شَدِيدُ الْعِقابِ ) * لا يؤبه بعقاب دون عقابه . ولَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَه واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ( 25 ) * ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ) * يعني المعجزات . * ( وسُلْطانٍ مُبِينٍ ) * وحجة قاهرة ظاهرة ، والعطف لتغاير الوصفين أو لإفراد بعض المعجزات كالعصا تفخيما لشأنه . * ( إِلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ) * يعنون موسى عليه الصلاة والسلام ، وفيه تسلية لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم وبيان لعاقبة من هو أشد الذين كانوا من قبلهم بطشا وأقربهم زمانا . * ( فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ، واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ ) * أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولا كي يصدوا عن مظاهرة موسى عليه السلام . * ( وما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ ) * في ضياع ، ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم والدلالة على العلة . وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ولْيَدْعُ رَبَّه إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسادَ ( 26 ) وقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ( 27 ) * ( وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى ) * كانوا يكفونه عن قتله ويقولون إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر ، ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة وتعلله بذلك مع كونه سفاكا في أهون شيء دليل على أنه تيقن أنه نبي فخاف من قتله ، أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله . * ( ولْيَدْعُ رَبَّه ) * فإنه تجلد وعدم مبالاة بدعائه . * ( إِنِّي أَخافُ ) * إن لم أقتله . * ( أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ ) * أن يغير ما أنتم عليه من عبادته وعبادة الأصنام لقوله : * ( ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ ) * . * ( أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسادَ ) * ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر أن يبطل دينكم بالكلية . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالواو على معنى الجمع ، وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص بفتح الياء والهاء ورفع * ( الْفَسادَ ) * . * ( وَقالَ مُوسى ) * أي لقومه لما سمع بكلامه . * ( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ) * صدر الكلام بأن تأكيدا وإشعارا على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ باللَّه ، وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية ، وإضافته إليه وإليهم حثا لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من